في هذا الفيديو المستخرج من برنامج إذاعي طويل وحميمي على إذاعة Fajet نانسي، يقدّم البروفيسور رفائيل بيتي، طبيب الطوارئ والعمل الإنساني، شهادة نادرة وإنسانية بعمق. ومن خلال سرد طفولته، ومنفاه، ودعوته، والتزاماته في مناطق الحرب، يُضيء جذور مسار كرّسه بالكامل لطب الطوارئ والدفاع عن الكرامة الإنسانية. وهذا السرد الشخصي، البعيد عن أي تمجيد، يتيح فهمًا أفضل لما يصنع طبيبًا إنسانيًا.
طفولة طبعتها الحرب والمنفى
وُلد في وهران، بالجزائر، لأسرة من أصل إيطالي، وترعرع رفائيل بيتي في سياق من الحرب والعنف وعدم الاستقرار. طفل وحيد، واجه منذ نعومة أظفاره مشاهد صادمة: تفجيرات، وإطلاق نار، وقتلى في الشارع، وخوف يومي. وتترك حرب الجزائر أثرًا دائمًا على نظرته للعالم، لا بتغذية الكراهية، بل بجعله يدرك منذ الطفولة أن العنف يولّد العنف.
عام 1962، عاش نزوح الأقدام السوداء وعاين تجربة اللجوء، فارًّا من الجزائر مع والدته وأخواته. وترك ترقّب أخبار والده المفعم بالقلق، والوصول إلى فرنسا، والاستقبال من الصليب الأحمر، وظروف الحياة الهشة، أثرًا عميقًا فيه. وفي سن الثانية عشرة فقط، مرّ بفترة من العزلة الشديدة والضيق النفسي.
ولادة دعوة طبية
في سن الخامسة عشرة، ترسّخت لديه يقينية: سيصبح طبيبًا. وهذا القرار، العفوي لكن الراسخ، أصبح بوصلة حياة حقيقية. ودون أي قدوة طبية في أسرته وبموارد مالية قليلة، أعاد سنة دراسية، وعمل مراقبًا، وأصبح رجل إطفاء متطوعًا، وواصل دراسته الطبية في نيس في ظروف صعبة.
ويجسّد هذا الإصرار رسالة قوية للفيديو: عندما تكون الدعوة واضحة، فإنها تمنح معنى للتضحيات. فبالنسبة لرفائيل بيتي، أن يصبح طبيبًا ليس طموحًا اجتماعيًا، بل ضرورة داخلية.
الطوارئ كبديهية مهنية
منجذبًا في البداية إلى تخصص أكثر تقنية، أدرك تدريجيًا أن مكانه في الطب الطارئ. فالإنعاش، والتدخل الفوري، ومواجهة الخطورة، أصبحت بالنسبة له بديهية. ويمثّل التزامه في الجيش مرحلة جديدة: مارس فيه طبيبًا مع القوات، مطوّرًا خبرة فريدة في المواقف القصوى.
وتشكّل حرب الخليج منعطفًا رئيسيًا. وأمام احتمال الموت الحقيقي، مرّ بمساءلة عميقة لذاته، تلاها هدوء داخلي حاسم. وعزّزت هذه التجربة قناعته بضرورة ترتيب حياته والبقاء وفيًّا لذاته العميقة.
طبيب إنساني وشاهد على النزاعات
على مرّ السنين، تدخّل رفائيل بيتي في العديد من ميادين الحرب: أفريقيا، وسوريا، وأوكرانيا، وغزة. ويشرح أن ما يحفّزه ليس البطولة ولا جاذبية الخطر، بل ضرورة أن يكون إلى جانب السكان المدنيين، والنساء والأطفال الذين يتحملون العنف دون أن يختاروه أبدًا.
وبالنسبة له، أن يكون طبيبًا إنسانيًا يعني العلاج، لكن أيضًا الشهادة، ورفض اللامبالاة، والتذكير بأن الكرامة الإنسانية لا يمكن إلغاؤها، حتى في قلب أعنف النزاعات.



